سيد قطب
2034
في ظلال القرآن
يعلم موعده أحد ، قد يغشاهم اللحظة بغاشية تلفهم وتشملهم ، وربما تكون الساعة على الأبواب فيطرقهم اليوم الرهيب المخيف بغتة وهم لا يشعرون . . إن الغيب موصد الأبواب ، لا تمتد إليه عين ولا أذن ، ولا يدري أحد ما ذا سيكون اللحظة ، فكيف يأمن الغافلون ؟ وإذا كانت آيات هذا القرآن الذي يحمل دليل الرسالة ، وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار . . إذا كانت هذه وتلك يمرون عليها وهم عنها معرضون ، ويشركون باللّه شركا ظاهرا أو خفيا وهم الأكثرون . فالرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ماض في طريقه ومن اهتدى بهديه ، لا ينحرفون ولا يتأثرون بالمنحرفين : « قُلْ : هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ، وَسُبْحانَ اللَّهِ ! وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . « قُلْ : هذِهِ سَبِيلِي » . . واحدة مستقيمة ، لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة . « أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي » . . فنحن على هدى من اللّه ونور . نعرف طريقنا جيدا ، ونسير فيها على بصر وإدراك ومعرفة ، لا نخبط ولا نتحسس ، ولا نحدس . فهو اليقين البصير المستنير . ننزه اللّه - سبحانه - عما لا يليق بألوهيته ، وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين يشركون به : « وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . . لا ظاهر الشرك ولا خافيه . هذه طريقي فمن شاء فليتابع ، ومن لم يشأ فأنا سائر في طريقي المستقيم . وأصحاب الدعوة إلى اللّه لا بد لهم من هذا التميز ، لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم ، يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم ، ولا يسلك مسلكهم ، ولا يدين لقيادتهم ، ويتميزون ولا يختلطون ! ولا يكفي أن يدعوا أصحاب هذا الدين إلى دينهم ، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي . فهذه الدعوة لا تؤدي شيئا ذا قيمة ! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية ؛ وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة ، وعنوانه القيادة الإسلامية . . لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي ؛ وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضا ! إن اندغامهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي ، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية ، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم ، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم ، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة . وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين . . إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس . . وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصيلة ، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ ! والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية ، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام . . هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب ! . . إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن